25‏/7‏/2012

منظومات إطفاء النيران .. خط الدفاع الأخير عن العربة المصابة .


يصف أحد المشاركين في عملية عاصفة الصحراء ، وهو اللواء الجنرال Robert Scales أحداث هجوم ليلي على مواقع عراقية في أقصى الجنوب ، مدافع عنها من قبل قوات تابعة لفرقة توكلنا على الله العراقية Tawakalna الملحقة بقوات الحرس الجمهوري . القوة العراقية كانت مجهزة بدبابات T-72 في وضع البدن المخفي وكذلك عربات مدرعة قتالية من طراز BMP . الهجوم الذي حدث قبل منتصف ليل 26 فبراير 1991 ، تولته دبابات M1A1 HA كانت تعود في تبعيتها إلى الفرقة المدرعة الأولى الأمريكية ، عندما ضربت إحدى الدبابات (B-23) على الأقل بقذيفتين .الدبابة كما أظهرت المعاينة الميدانية ضربت من الخلف ، ويظهر ملخص رسمي حجم الضرر الملحق بالدبابة أبرامز B-23 ، حيث يتحدث التقرير بالتفصيل عن حادثة القذيفتان اللتان ضربتا الدبابة على التوالي . أولهم سلاح شحنة مشكلة ناتج ربما عن رأس حربي لقذيفة AGM-114 Hellfire ارتطم بالباب الخلفي لمدخل المحرك . بدأت النيران الانتشار في مقصورة المحرك حتى أطفأت آلياً من قبل قناني إخماد نظام Halon الداخلي . مبدئياً لم تكن هناك إصابات بشرية ، إلا أن محرك الدبابة توقف عن العمل والطاقم حاول مغادرة البرج من جهة الجانب الأيمن ، في حين الدخان كان ما يزال ينبعث من مقصورة المحرك engine compartment . قرار فوري اتخذ لإخلاء الدبابة في ذلك الوقت ، لتضرب قذيفة ثانية "مجهولة" الدبابة من جديد وتتسبب في أضرار هائلة كما وصف التقرير . اخترقت القذيفة مؤخرة الدبابة ، وأسقطت الملقم على أرضية البرج . ومع لحظة سقوطه ، صدمت ركبته حلقة البرج ، وتسببت في حدوث كدمة والتواء حاد في الركبة . لقد كان الملقم العضو الوحيد من أفراد الطاقم الذي جرح في هذا الاشتباك . النيران الناتجة تسببت في حدوث حريق هائل catastrophic fire في الهيكل ، وصهرت بالكامل نظام التعليق الخاص بالدبابة . لقد تحملت الدبابة B-23 الحرارة وأضرار النيران بعد دفع وإرغام نظام الإطفاء الآلي للعمل سريعاً وكما هو مصمم له . ورغم هول الهجوم إلا أنه لم تكن هناك أضرار باليستية ballistic damage داخل برج الدبابة المصابة نتيجة النيران العدائية (يعتقد أن دبابة T-72عراقية هي من كانت خلف الهجوم) . كما يذكر التقرير أيضاً أن وقت الحادث ، حجبت الغيوم والأمطار الغزيرة رؤية ساحة المعركة لنحو كبير .


من أبرز الاهتمامات لدي الخبراء عند تصميم العربات العسكرية القتالية ، هو موضوع زيادة قابلية بقاء ونجاة هذه العربات survivability وحماية أطقمها عند تعرضها للهجوم . وعند تلك الحدود ، تبرز أحد أهم تلك الإخطار بالنسبة للطاقم ، التي تتركز حول خطر اشتعال النيران في مقصورتهم ، والناتجة عند اختراق قذيفة معادية لهيكل العربة . فبالإضافة إلى خطر النيران المباشر على الطاقم ، هناك خطر اشتعال السوائل الهيدروليكية ودوافع الذخيرة ، الذي بالتأكيد في حال حدوثها ، فإنها ستنتج تأثيرات كارثية مهلكة . لهذه الأسباب ، تزود كافة دبابات المعركة الحديثة ، بنظام إخماد سلبي فعال ، خاص بالإطفاء الآلي للنيران ، يطلق عليها Automatic Fire Extinguishing system أو اختصاراً SAFE ، يضطلع بمهمة إحاطة غرفة الطاقم والمحرك بمادة الإطفاء عندما ترصد مجساتها النيران .


منظومات إطفاء النيران في العربات المدرعة رصدت منذ فترة طويلة ولعقود من الزمن . ومرت كلتا الأجهزة ووسائط الإخماد بالتحسينات الثابتة على مدى الوقت ، حيث شملت الأنظمة السابقة ، خلال الحرب العالمية الثانية ، طفايات نيران متنقلة portable fire extinguisher ، التي كانت توجه نحو مصدر النار مباشرة ، ويتم تشغيلها من قبل أفراد الطاقم . استخدام مطفأة الحريق النقالة غير مؤثر عادة على النيران الممتدة (مثال على ذلك نيران الوقود في العربة) وتعرض مستخدميها للخطر . وهكذا بدا أن الطريقة الفضلى لإطفاء موضع نيران مشتعل ، تكمن في استخدام منظومات إطفاء بالتنشيط البعيد ، لإشباع وغمر المقصورة المصابة وإطفاء الحريق . أنظمة الإشباع والغمر الثابتة تصمم لإطفاء مجمل النيران في المقصورة ، وتبقي على جو خامد وغير مفعّل لفترة زمنية بعد التنشيط . ويتم تثبيت الطفايات في موضع داخلي وخارجي سهل في العربة ، بحيث يتيح الأمر وصول سريع ومبكر للطاقم عند الضرورة . هذا النوع من الأنظمة كان قيد الاستخدام لحجرات محرك العربات المقاتلة منذ الخمسينات .


تتألف أنظمة الإطفاء الحديثة من مجموعتين ، أحدهما لمكافحة الحريق والإنفجارات في حجرة القتال ، والأخرى لإطفاء الحريق في حجرة المحرك ، وفي كل قسم ثلاث مجموعات عمل رئيسة هي : المجسات ووحدة السيطرة والتحكم مع دوائر التشغيل وأخيراً قوارير المادة المطفئة . وتتميز هذه جميعاً بقدرتها على تحمل الحرارة والاهتزاز . أما عن مبدأ عمل النظام ، فلقد أثبتت التجارب العملية ، إن إصابة الهدف المدرع بقذيفة شحنة مشكلة Shaped Charge يمكن أن يؤدي لخروج الزيت والوقود والسوائل القابلة للاشتعال ، وانتشارها على صورة رذاذ يختلط مع الهواء ، ليشكل خليط قابل للانفجار (بينما قَد تكون هناك أهداف قليلة جداً قابلة للاشتعال في مقصورة الطاقم , فإن ضربة مباشرة على خزان هيدروليكي hydraulic reservoir ستؤدي إلى نار هائلة) .


عائق رئيس إلى أنظمة الإطفاء المبكرة كان ذلك المتعلق بحقيقة أن كشف النيران كان يعتمد بالدرجة الأولى على الطاقم أو الأفراد الآخرين المتواجدين على مقربة من العربة . فإذا ما اشتعلت النيران لفترة أطول دون اكتشاف أمرها (وأعطيت وقوداً وأوكسجيناً كافياً) فإن الحريق الناتج قد يكون سريعاً خارج نطاق السيطرة .أثناء السنوات العشرون الماضية ، بحوث كثيرة وجهت نحو تطوير مجسات كشف النيران detection sensors للاستخدام في العربات المقاتلة . العقبات الأساسية التي رافقت عمليات التطوير ، ارتبطت بتطوير أنماط من المجسات صغيرة الحجم ، قادرة على العمل في بيئات العربة شديدة القسوة وإزالة الإنذارات الكاذبة false alarms ، كما هو الحال مع المحفزات المشتركة مثل أعواد الثقاب ، المصابيح الكاشفة ، نور شمس .

تعمل معظم مجسات النيران على مبادئ مختلفة ، النمطان الاثنان الأكثر شيوعاً هما اللاقطات البصرية والحرارية . المجسات البصرية تكتشف وترصد النيران بتحسس الإشعاعات البصرية الصادرة (مرئية visible ، فوق البنفسجية ultraviolet ، و/أو تحت الحمراء infrared) . المجسات الحرارية تكتشف النيران من خلال التحسس الحراري عن طريق خاصية النقل الحراري للمجس (سلك نحاسي مثلاً) .أي مصدر تسخين بدرجة حرارة ملائمة سوف ينشط ويحفز المجس الحراري . المجسات البصرية لها فائدة وميزة ردة الفعل السريعة (5 أجزاء من الألف من الثانية للمجسات البصرية ، مقابل 5 إلى 10 ثواني للمجسات الحرارية) ، بينما تتميز استجابة المجسات الحرارية بعدم تأثرها بالبيئات الملوثة .في حالة نظام آلي للإطفاء ، يستخدم مجسات بصرية حديثة للكشف ، فإن الوقت من زمن الشروع وبدء النيران وحتى لحظة إطلاق مادة الإخماد ، يمكن أن تكون قصيرة لنحو 100 جزء من الألف من الثانية . سرعة الاستجابة وردة الفعل هذه كافية لحد إطفاء نيران خزان الوقود fuel tank (بعد اختراقه من قبل قذيفة ما) قبل الوصول لمرحلة الانفجار ، وتكون النيران مطفئة قبل أي ضرر إلى الأفراد والتجهيزات .وفي الحقيقة فإن مثل هذه الأنظمة ، تعزز من إمكانيات بقاء المركبة وتقلل من احتمالات خسارتها ، كما تحسن من الروح المعنوية والقتالية للأطقم ، عن طريق تفعيل فكرة النجاةبعد الإصابة . وحالياً فإن نظام الرصد البصري يستخدم في إما مقصورة الطاقم أو محرك العربة ، حيث تجهز هذه الأنظمة في الوقت الراهن مقصورات الطاقم والمحرك الخاصة بدبابات M1 Abrams الأمريكية ، وكذلك العربات M2/M3 Bradley.. وغيرها من العربات المدرعة الأخرى (الدبابات الروسية من الفئة الأحدث والمطورة أمثال T-90/T72 ، تستخدم نظام RADUGA-2 للإطفاء الآلي ، الذي يستخدم مجسات بصرية optical sensors لكشف الارتفاع الخطر والمتطرف لدرجة الحرارة ، ليعمل بعد ذلك خلال 150 جزء من الألف من الثانية على منع إيقاد مخزون الذخيرة الداخلي) .


في حالة استخدام النظام الآلي لسلك تحسس حراري hot wire sensor ، فإن الوقت من شروع النيران ومرحلة إطلاق مادة الإخماد يمكن أن تكون قصيرة ولنحو 5 ثوان فقط ، وهذه سريعة بما فيه الكفاية لتحقيق الضرر الأدنى لمكونات وتجهيزات العربة .على أية حال ، تعتبر هذه المدة الزمنية طويلة نسبياً فيما يتعلق بطاقم العربة ، حيث يمكن أن تتسبب في حروق من الدرجة الثانية ومن الدرجة الثالثة ، تحدث في أقل من ثانية واحدة .

وتكمن الفكرة الرئيسة في تجنب الوصول لمرحلة "نقطة الوميض" أو flash point . ونقطة الوميض لسائل سريع الاشتعال ، هي أدنى درجة حرارة يمكن أن يتشكل عندها بخار الوقود لتوفير مزيج مناسب مع الهواء يكون قابل للاشتعال . وعند درجة الحرارة هذه يمكن إيقاف أو تجنب اشتعال البخار بعد إبعاد أو إزاحة مصدر الإيقاد (لا يتعلق الأمر بدرجة حرارة مصدر الإشعال أو السائل المحترق ، التي تكون أعلى من ذلك بكثير) . تستخدم نقطة الوميض كثيراً كسمة توصيف للوقود السائل ، ولكنها تستخدم أيضاً لوصف السوائل التي قد تكون عرضة لخطر الاشتعال (بمعنى تلك التي لا توصف تلقائياً كوقود) . فلكل سائل سريع الاشتعال ضغط بخار vapour pressure ، الذي يتبع درجة حرارة ذلك السائل . وعند ارتفاع درجة الحرارة ، فإن ضغط البخار يزداد ، ومع زيادة ضغط البخار ، فإن تركيز بخار السائل القابل للاشتعال في الهواء يزداد أيضاً . لذلك ، تقرر درجة الحرارة نسبة تركيز بخار السائل القابل للاشتعال في الهواء . وبشكل عام ، تتطلب السوائل المختلفة القابلة للاشتعال flammable ، تركيز مختلف في الهواء لدعم وإسناد عملية الاحتراق .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق